محمد بن جرير الطبري
74
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
المكذب به منهم وإنجائه المصدق به . وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ يقول : وإن المكذبين به منهم لفي شك من حقيقته أنه من عند الله مُرِيبٍ ، يقول : يريبهم فلا يدرون أحق هو أم باطل ، ولكنهم فيه ممترون . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته جماعة من قراء أهل المدينة والكوفة : وَإِنَّ مشددة كُلًّا لَمَّا مشددة . واختلفت أهل العربية في معنى ذلك ، فقال بعض نحويي الكوفيين : معناه إذا قرئ كذلك وإن كلا لمما ليوفيهم ربك أعمالهم ، ولكن لما اجتمعت الميمات حذفت واحدة فبقيت ثنتان ، فأدغمت واحدة في الأخرى ، كما قال الشاعر : وإني لما أصدر الأمر وجهه * إذا هو أعيا بالنبيل مصادره ثم تخفف ، كما قرأ بعض القراء : وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ يخفف الياء مع الياء ، وذكر أن الكسائي أنشده : وأشمت العداة بنا فأضحوا * لدي يتباشرون بما لقينا وقال : يريد : لدي يتباشرون بما لقينا ، فحذف " ياء " لحركتهن واجتماعهن ؛ قال : ومثله : كان من أحرها القادم * محرم نجد فارع المخارم وقال : أراد إلى القادم ، فحذف اللام عند اللام . وقال آخرون : معنى ذلك إذا قرئ كذلك : وَإِنَّ كُلًّا شديدا وحقا ليوفيهم ربك أعمالهم . قال : وإنما يراد إذا قرئ ذلك كذلك : وإن كلا لما بالتشديد والتنوين ، ولكن قارئ ذلك كذلك حذف منه التنوين ، فأخرجه على لفظ " فعلى " لما كما فعل ذلك في قوله : ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا فقرأ " تترى " بعضهم بالتنوين ، كما قرأ من قرأ : " لما " بالتنوين ، وقرأ آخرون بغير تنوين ، كما قرأ لَمًّا بغير تنوين من قرأه ، وقالوا : أصله من اللم من قول الله تعالى : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا يعني أكلا شديدا . وقال آخرون : معنى ذلك إذا قرئ كذلك : وإن كلا إلا ليوفينهم ، كما يقول القائل : لقد قمت عنا ، وبالله إلا قمت عنا . ووجدت عامة أهل العلم بالعربية ينكرون هذا القول ، ويأبون أن يكون جائزا توجيه " لما " إلى معنى " إلا " في اليمين خاصة ؛ وقالوا : لو جاز أن يكون ذلك بمعنى إلا جاز أن يقال : قام القوم لما أخاك ، بمعنى : إلا أخاك ، ودخولها في كل موضع صلح دخول إلا فيه . وأنا أرى أن ذلك فاسد من وجه هو أبين مما قاله الذين حكينا قولهم من أهل العربية إن في فساده ، وهو أن " إن " إثبات للشيء وتحقيق له ، " وإلا " أيضا تحقيق أيضا ، وإنما تدخل نقصا لجحد قد تقدمها . فإذا كان ذلك معناها فواجب أن تكون عند متأولها التأويل الذي ذكرنا عنه ، أن تكون بمعنى الجحد عنده ، حتى تكون إلا نقضا لها . وذلك إن قاله قائل قول لا يخفى جهل قائله ، اللهم إلا أن يخفف قارئ " إن " فيجعلها بمعنى " إن " التي تكون بمعنى الجحد . وإن فعل ذلك فسدت قراءته ذلك كذلك أيضا من وجه آخر ، وهو أنه يصير حينئذ ناصبا ل " كل " بقوله : ليوفينهم ، وليس في العربية أن ينصب ما بعد " إلا " من الفعل الاسم الذي قبلها ، لا تقول العرب : ما زيدا إلا ضربت ، فيفسد ذلك إذا قرئ كذلك من هذا الوجه إلا أن يرفع رافع الكل ، فيخالف بقراءته ذلك كذلك قراءة القراء وخط مصاحف المسلمين ، ولا يخرج بذلك من العيب بخروجه من معروف كلام العرب . وقد قرأ ذلك بعض قراء الكوفيين : " وإن كلا " بتخفيف " إن " ونصب " كلا " لَمَّا مشددة . وزعم بعض أهل العربية أن قارئ ذلك كذلك أراد " إن " الثقيلة فخففها . وذكر عن أبي زيد البصري أنه سمع : كأن ثدييه حقان ، فنصب ب " كأن " ، والنون مخففة من " كأن " ؛ ومنه قول الشاعر : ووجه مشرق النحر * كأن ثدييه حقان وقرأ ذلك بعض المدنيين بتخفيف " إن " ونصب " كلا " وتخفيف " لما " . وقد يحتمل أن يكون قارئ ذلك